جلال الدين الرومي

432

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

( 1009 - 1011 ) : الأرنب في نظر الوحوش مجرد أرنب عليه ان يتصرف في حدود قدراته والرسول قال : رحم الله امرئ عرف قدره ولم يتعد طوره ( انقروى 1 / 28 ) والوحوش كلها ذات أظفار وأنياب وبطش شديد ومع ذلك لا يتأتى الادعاء إلا من هذا الأرنب أصغر الوحوش جرما وأكثرها جبنا ، فعلى أي شئ يعتمد هذا الأرنب الضئيل ؟ ! ! وكيف يصل به العجب بنفسه إلى مثل هذا الادعاء الخطير ؟ ! ! ان كثيرين من أمثاله قد أرداهم العجب بأنفسهم وقضى عليهم وقضى على من تبعوه ، درس مكرر كثيرا في التاريخ ، يكون قضاؤهم في اتباع هذا المعجب بنفسه غير المقدر لقواه وإمكاناته . ( 1012 - 1039 ) : يرد الأرنب بان خلف هذا الجرم الصغير عالم أكبر ، رأى وسداد - وعقل من قبيل عقول المعاد - مؤيد بالإلهام الرباني وإليك هذا الدليل : فهل هو أضعف من النحل الذي يخرج هذا الشهد الصافي بإلهام الهى ؟ ! ! إلا فلتقرأ « وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ » ( النحل 68 / 69 ) وما هو أقل من النحل دودة القز ، أليست على ضعفها تقوم بما لا يستطيع الفيل ان يقوم به فتفرز الحرير ، الرأي قبل شجاعة الشجعان ، وهذا الإنسان الذي سيطر على البر والبحر ، وقيدت له كل المخلوقات ، أكان هذا بحوله وقوته ؟ ! بل برأيه وعلمه الذي علمه الحق إياه ، بهذا العلم فاق الملائكة فأمروا بالسجود له ، وإذا كنت تريد ان تعرف الفرق بين العلم والزهد ، فإليك هذا المثال : لقد أمر إبليس بالسجود مع أن إبليس مارس الزهد ستمائة الف عام ، إلا أنه حرم من هذا العلم ، كانت كمامة على فمه ليحرم من هذه اللبانة وهذا الشراب السائغ . ( 1020 - 1030 ) : وإن علوم أهل الحس التي يتيهون بها فخرا على الناس ولا يعملون بها ويجعلون منها مجرد وسيلة إلى المال والجاه والمنصب ورضا الخلق ، هي تماما مثل هذه الكمامة التي وضعها الله على فم إبليس ( عقله ) ليحرم من حلاوة هذا العلم الإلهى ، وخص بهذا العلم الإلهى قلب الإنسان الذي لا يزيد على قطرة من بحر خلقه ، خصها بالعلم اللدني ، وخصها بأنها